'غياب الرؤية الاستراتيجية يدفع المنطقة نحو حرب استنزاف طويلة'

بينت بيسي شماري بأنه بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تتواصل الحرب وسط غموض يلفّ مستقبلها، بعدما تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتتحول إلى جزء من مشهد إقليمي ودولي شديد التعقيد.

شهلا محمدي

مركز الأخبار ـ أكدت عضوة المجلس التنسيقي للمنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء، بيسي شماري أن الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تحولت إلى صراع مفتوح بلا أهداف واضحة، وأن غياب رؤية استراتيجية مشتركة يجعل المنطقة أمام حرب استنزاف طويلة الأمد.

بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا تزال الهجمات المتبادلة مستمرة وسط غموض يخيّم على مستقبل شعوب المنطقة، وتظهر آثار الصراع بوضوح في أسعار الوقود والاقتصاد والسياسة، ليس داخل الدول المعنية فقط، بل على مستوى العالم، وفي هذا السياق، أجرت وكالتنا الحوار التالي مع عضوة المجلس التنسيقي للمنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء، بيسي شماري.

 

يثير استمرار الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تساؤلات حول تطوراتها المتوقعة، وهل ستتجه نحو تسوية تُنهي القتال، أم أن مؤشرات الميدان والسياسة ترجّح استمرارها لفترة أطول؟

لقد اتخذت الحروب المتكافئة وغير المتكافئة التي اجتاحت الشرق الأوسط منذ عام 1991 منحىً مختلفاً عن الصراعات السابقة، فإذا ألقينا نظرة سريعة على الحروب التقليدية كالحرب الإيرانية العراقية أو التطورات في سوريا، ندرك أننا اليوم أكثر من أي وقت مضى نواجه حرباً غير تقليدية، حرباً لا تفضي إلى سلام دائم ولا حتى إلى تخفيف حدة التوترات، بل تُؤجج نوعاً من عدم الاستقرار البنيوي.

وفي الوقت نفسه، يسعى كل من الفاعلين الإقليميين والعابرين للأقاليم إلى تأمين مصالحهم الخاصة، ونتيجة لذلك لم يتم تحديد رؤية واضحة لنهاية هذا المسار، إن ما يثير القلق أكثر من حدة الصراعات هو غياب إطار استراتيجي واضح لإنهاء هذه الحروب الممتدة، فعندما لا يكون هناك هدف محدد بوضوح، تُمهد الأرض لحروب الاستنزاف وهي ظاهرة تتجلى بوادرها في جميع أنحاء الشرق الأوسط والدول المجاورة. تكمن المشكلة الأساسية في غياب هدف ورؤية مشتركة، ولعل فهم هذا الوضع سيقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم "النظام العالمي الجديد" الذي يبدو الآن أنه يُعاد تصوره وتشكيله.

 

كيف يمكن تقييم الخطة الأميركية ذات النقاط الخمس عشرة من حيث أهدافها وقابليتها للتطبيق، وما دلالات التهديد بإعادة إيران إلى العصر الحجري، ولماذا يبدو أن طرفَي النزاع يفضلان استمرار الحرب وما العوامل التي تدفعها لذلك.

خلال ولاية دونالد ترامب الأولى، كان يُنظر إليه غالباً على أنه "ملك مجنون" وهو نهج يعتمد على خلق حالة من عدم اليقين للضغط على المنافسين، ومع ذلك مثّلت تصريحاته الأخيرة تحولاً ملحوظاً إذ تحدث عن استمرار أجندة عسكرية طويلة الأمد.

يحمل مفهوم "العصر الحجري" رسالة نفسية واجتماعية، تتجاوز مجرد التهديد العسكري، إذ يركز على إثارة الذعر العام والتسبب بانهيار البنية التحتية الحيوية، لكن في الواقع عاش كثيرون هذه الحالة بالفعل، من أزمات اقتصادية وبيئية متعددة الأوجه إلى نقص الأدوية، وتضرر البنية التحتية الحيوية كصناعة الأدوية، وصعوبة حصول المرضى، وخاصة المصابين بأمراض المناعة الذاتية على العلاج، يرسم اجتماع هذه العوامل صورة لحياة صعبة ومرهقة، يمكن اعتبارها استعارة لـ"العصر الحجري".

رغم تأكيد تصريحات ترامب الأخيرة على السيطرة وإظهار النصر، إلا أنها أصرت أيضاً على استمرار العمليات العسكرية، وهو تناقضٌ يُلازم الحروب الحديثة، إعلان النصر دون تقديم مخرج، فغياب جدول زمني واضح لإنهاء الحرب، والتركيز على أهداف متفرقة، من منع انتشار الأسلحة النووية إلى تغييرات سياسية هيكلية، إلى عدم وجود إجماع واضح على إنهاء الصراع حتى على المستوى الكلي، هذا الغموض في الأهداف يُحوّل الحرب بطبيعة الحال من عملية محدودة إلى مشروع مفتوح النهاية واستنزافي.

وفي الوقت نفسه، يشير تغير النبرة فيما يتعلق بدور أمريكا في أمن الطاقة العالمي، وخاصة فيما يتعلق بمضيق هرمز، إلى أن الهياكل التقليدية للنظام الدولي يتم إعادة تعريفها ليس من منطلق الاستقرار، ولكن في سياق الضغوط الاقتصادية والسخط الاجتماعي والمنافسة الجيوسياسية.

الأهم هنا هو أن هذه الحرب لا تقتصر على بضع دول، بل هي انعكاس للانتقال إلى نظام جديد على المستويين الإقليمي والعالمي، في غياب فهم واقعي وتحديد واضح للأهداف، ثمة خطر من أن تتعمق الحرب وتتسع رقعتها وتزداد تكلفتها، وهي تكلفة لن يدفعها شعوب المنطقة فحسب، بل المجتمع الدولي أيضاً.

لقد أظهر التاريخ أيضاً أن العديد من الدول الحديثة نشأت في سياق الحرب، حيث ساهمت الحاجة إلى تنظيم الموارد والسلطة في استقرار هياكل الحكم، ومع ذلك فإن العلاقة بين الحرب والدولة ليست علاقة بسيطة، بل هي حلقة معقدة وخطيرة أحياناً، فالحرب تخلق الدولة، والدولة تعيد إنتاج الحرب ويمكن ملاحظة هذه الحلقة اليوم في الشرق الأوسط وفي التوترات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

وأخيراً لا ينبغي إغفال السياق المحلي لهذه التطورات، فقد لعب قمع السخط الاجتماعي، سواءً داخل إيران أو في إسرائيل قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أو حتى في الولايات المتحدة في عهد ترامب، دوراً هاماً في تشكيل هذا الوضع وإدامته، لذا لفهم هذه الأزمة لا بد من إلقاء نظرة معمقة ومتعددة الأوجه على العلاقة بين السياسة الداخلية والتنافسات الجيوسياسية وديناميات الحرب.

 

إلى أي مدى تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على التأثير في البنية السياسية داخل إيران، وكيف ينعكس ذلك في سياستها؟ وهل توجد قوى أو معارضة أو شخصيات جديدة قادرة على لعب دور في أي تغيير محتمل أم ما تزال الساحة السياسية تفتقر لبديل واضح.

كان أحد الأسباب المعلنة للعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية هو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، لكن سرعان ما تحول الخطاب إلى قضية "تغيير النظام"، وإذا نظرنا إلى مسار المفاوضات، بدءاً من محادثات مسقط وصولاً إلى الاجتماعات العديدة اللاحقة، نلاحظ تصاعد التوترات العسكرية بالتوازي مع العملية الدبلوماسية، فعلى سبيل المثال، شهدنا خلال هذه المفاوضات نفسها فترة توتر دامت 12 يوماً تلتها اجتماعات في الأشهر الأخيرة، كان آخرها في جنيف، ويُظهر هذا التزامن أن مساري التفاوض والمواجهة يسيران في اتجاهين متعاكسين.

في هذا السياق، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تعريف موازين القوى في المنطقة بدلاً من السعي إلى توافق دائم، وهي عملية يمكن اعتبارها تغييراً في التركيبة الجيوسياسية للشرق الأوسط، أما ما يُغفل عنه فهو الوضع الإنساني والضغوط التي تُثقل كاهل الناس، وهي ضغوطٌ باتت أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد ثورة Jin Jiyan Azadî.

تاريخياً، تُظهر تجربة ثورة 1979 كيف يمكن لحركة شعبية واسعة أن تُغير مسارها وتُنتج نتائج تختلف عن تطلعات المجتمع الأولية، واليوم تُشير بعض التحليلات أيضاً إلى وجود تصدعات في التحالفات التقليدية، بما في ذلك الخلافات بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية حول كيفية التعامل مع الأزمات الإقليمية، وتتجلى هذه التصدعات في قضايا مثل التعاون العسكري، واستخدام القواعد العسكرية، أو حتى اختلاف المواقف من النزاعات.

ومن جهة أخرى، أظهرت تجربة دول مثل العراق أن التدخل الأجنبي وتشكيل التحالفات العسكرية قد تكون لهما عواقب طويلة الأمد ومعقدة، بعض المؤشرات كالتوترات حول مضيق هرمز أو محاولات تشكيل تحالفات إقليمية، تُذكّر بأنماط سابقة في هذا البلد.

وعلى الصعيد المحلي، يتمثل أحد أهم التحديات في غياب بديل متماسك وشامل، قوة تتمتع بقاعدة شعبية محلية، ويمكن تقديمها كبديل ذي مصداقية على الصعيد الدولي، في غياب هذا البديل يبرز خطر أن يؤدي أي إضعاف للبنية القائمة إلى فراغ في السلطة، فراغ لن يُساهم في التحول الديمقراطي فحسب، بل قد يُعزز الوضع الراهن.

ومع ذلك، ثمة مؤشرات على بذل جهود لتنظيم القوى السياسية، بدءاً من الاجتماعات والمؤتمرات في الخارج وصولاً إلى تشكيل ائتلافات بين بعض الجماعات والأحزاب، وفي الوقت نفسه تواجه هذه الجهود تحديات جسيمة، من بينها نزاعات الهوية، والتنافسات الداخلية بين الجماعات، ومسألة التمثيل الحقيقي لمختلف شرائح المجتمع.

في نهاية المطاف، ليس العامل الحاسم مجرد صراع القوى بين الحكومات أو تنافس المعارضات، بل دور الشعب وإرادته، وقد أظهرت التجارب التاريخية أيضاً أنه كلما تم تجاهل صوت المجتمع ومطالبه الحقيقية، فإن الأزمات لا تفشل في الحل فحسب، بل تتكرر بأشكال أكثر تعقيداً وتكلفة.